إلى مقاتلي اليوم: رسالة مفتوحة

نحن مقاتلون سابقون من كل الأطياف، دهمتنا الحرب الأهلية اللبنانية ونحن ورثة ثقافة قرون من المواجهات الطائفية التي كانت تحمل في جوفها حملات الاقتلاع والفرز والتهجير، ورثنا ثقافة تنكر حق الآخر في الاختلاف وتتوسل التعامل بالعنف لفض المنازعات، ثقافة انتجت حروباً دامية كانت تنتهي دوماً بتسويات هشة تغلّب حصة طائفة من هنا، أو تقتطع بعض حصة طائفة أخرى من هناك، وهي حروب لطالما غلّبت الإنتماءات العشائرية والقبلية والطائفية والمناطقية، وذلك على حساب الإنتماء للوطن، الوطن الذي يقوم على ضمان حقوق الناس في المسكن الآمن والتنقل والصحة والعمل والتعليم، الوطن الذي ينظر لتنوع أبنائه بصفته دليل غنى، ويعمل على تنظيم وتطوير أمورهم المشتركة، وعلى تسيير سبل اجتماعهم السياسي، وعلى تنميتهم وتعزيز الفرص أمامهم.

نحن مقاتلون سابقون توافقنا على أن ندحض ثقافة القتل هذه، التي كانت مع كل محطة انفجار تطيح بما راكمه الوطن من عناصر الوحدة، وأن نؤسس لثقافة أخرى تحترم التعدد، وتعمل على ضبطه ورعايته تحت الآليات السلمية الديمقراطية.

نحن مقاتلون سابقون، قررنا أن نصبح محاربين من أجل السلام، نتوجه إلى المقاتلين الحاليين بالنداء التالي:

من عمق ألمنا لما يحصل حاليا في بلدنا الحبيب لبنان، ومن الضيق الذي نعيشه لرؤية اللبنانيين ينزلقون إلى حروبٍ أهلية مماثلة لتلك التي عشناها سنين طويلة من حياتنا، من وجعنا أن نرى بعض شباب اليوم ينساقون إلى حمل السلاح وإلى اختيار العنف بدل الحوار، مثلما فعلنا نحن في اوائل وخلال الحرب الاهلية حيث حملنا السلاح وساهمنا في الاقتتال، معتبرين أننا وحدنا على حق. فألحقنا الأذى بإنسانيتنا قبل كل شيء، وقتلنا أرواحنا مع كل روح سقطت بسببنا. خطفنا من خطفناه، شاركنا بمعارك على جبهات عدة، واستخدمنا القنص والقصف، ودمرنا وأحرقنا أبنية وأحياء سكنية دون أن يحقق ذلك أي تغيير في المعادلة. صدقوننا عندما نقول أنكم وللأسف ستحملون خطاياكم معكم مدى الحياة و الندم لا ينفع عندها.

ندعو المقاتلين الحاليين أن يدركوا، كما فعلنا نحن متأخرين، أن هناك أيادٍ عدة، تستفيد من الشحن السياسي والمذهبي وتعمل على تفرقتنا وعلى اقتتالنا. لا تقعوا في المغالط التي وقعنا فيها. الحروب الأهلية يخسرها الجميع، حتى من يظن نفسه ربح، ولا ينتج عنها سوى الموت والدمار.

إن الضرر الناجم عن إلحاق الأذى بالآمنين وترويعهم وتعريض بيوتهم وممتلكاتهم للخطر، يقتصر على الناس فقط. فيما تظل القيادات بمنأى عن كل ذلك، بل وتعمد هذه القيادات لاحقاً إلى استغلال رخيص لمخاوف الناس، وإلى استثمار حصيلة المواجهات من أجل كسب المزيد من المنافع، كما تطمح لأن يلجأ إليها المواطنون، مثل رعايا، طلباً للحماية.. والنتيجة المزيد من التقوقع، والمزيد من هدم الجسور ومن إقامة الجدران.

فتعالوا نعيد بناء الجسور، تعالوا نهدم الجدران.

أخيراً، لأن في الاوطان الغد دائما قريب، وسنجلس معاً من كل الأطراف لنكمل عملية بناء الوطن و المجتمع، فلماذا نحرقها و نندم كما فعلنا نحن لأننا ابتعدنا عن فهم الآخر والاستماع اليه ومحبته. إن التغيير ممكن كما نحن تغيرنا، فتعالوا نغلّب السلم على القتل و الحوار بدل التقاتل والمحبة بدل الحقد.